أحمد بن محمد المقري التلمساني

226

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

كلّ ذباب مصوّتا ظنّ أنّ كل مصوّت ذباب ، فاستحسن ذلك . قلت : وحدّثني مولاي العمّ الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقري ، رحمه اللّه تعالى ، عن شيخه ابن جلال مفتي حضرتي فاس وتلمسان ، أنه كان يحكي أنّ الغلط جاءه من عدم كلية الكبرى في الشكل الأوّل ؛ لأنه ركبه هكذا : هذا مصوّت ، وكلّ مصوّت ذباب ، وقد علمت أنها هنا إنما تصدق جزئية لا كلية ، وإذا كانت جزئية بطل الإنتاج ؛ لأن ذلك من الضروب العقيمة ؛ انتهى . ومن فوائد مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى ، أنه قال : سمعت شيخنا الأبلي يقول : ما في الأمة المحمدية أشعر من ابن الفارض . وقال أيضا ، رحمه اللّه تعالى : سمعت شيخنا الأبلي يقول : إنما أفسد العلم كثرة التواليف ، وإنما أذهبه بنيان المدارس ، وكان ينتصف له من المؤلفين والبانين ، وإنه لكما قال ، غير أنّ في شرح ذلك طولا ، وذلك أنّ التأليف نسخ الرحلة « 1 » التي هي أصل جمع العلم ، فكان الرجل ينفق فيها المال الكثير ، وقد لا يحصل له من العلم إلّا النّزر اليسير « 2 » ؛ لأنّ عنايته على قدر مشقّته في طلبه ، ثم صار يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن ، فلا يقع منه أكثر من موقع ما عوّض عنه ، فلم يزل الأمر كذلك حتى نسي الأول بالآخر ، وأفضى الأمر إلى ما يسخر منه الساخر ، وأمّا البناء فلأنه يجذب الطلبة إلى ما يرتب فيه من الجرايات ، فيقبل بها على من يعيّنه أهل الرياسة للأجراء والإقراء منهم أو ممّن يرضى لنفسه الدخول في حكمهم ، ويصرفونها عن أهل العلم حقيقة الذين لا يدعون إلى ذلك ، وإن دعوا لم يجيبوا ، وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم . ثم قال مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى : ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ، ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمّهاتها ، وقد نبّه عبد الحق في « تعقيب التهذيب » على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع - وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع - ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف ، وانقطعت سلسلة الاتصال ، فصارت الفتاوى تنقل من كتب من لا يدري ما زيد فيها ممّا نقص منها ؛ لعدم تصحيحها ، وقلّة الكشف عنها . ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوّغون الفتوى من « تبصرة » الشيخ أبي الحسن اللخمي لكونه لم يصحّح على مؤلّفه ولم يؤخذ عنه ، وأكثر ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النّمط « 3 » . ثم

--> ( 1 ) كان الأصل أنه يرحل طالب العلم في سبيل العلم من بلد إلى آخر ليلتقي العلماء ، ويأخذ عنهم عن طريق الرواية ، ويسند ما أخذه عن كل من العلماء إليه . ولا شك أن هذا الطلب للعلم وتحصيله يكلف الطالب المشقة ، ويلقى من أجلها الكثير من الصعوبة . ( 2 ) النزر : القليل التافه . ( 3 ) النمط : الصنف ، النوع .